السيد كمال الحيدري
259
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
يطلق اسم السببية على علاقة الاقتران المطّرد بين ظاهرتين وإنما يصفها بأنها علاقة من نوع آخر . وأما المفهوم العقلي للسببية الذي يعبّر عن الإيجاد والتأثير والضرورة فهو يستطيع أن يتصوّر هذه العلاقة بين ظاهرتين مقترنتين زماناً فتكون إحداهما سبباً والآخرى مسبباً لا على أساس التبعية الزمنية بل على أساس التبعية في الوجود والتأثير . فالظاهرة المؤثّرة هي السبب والظاهرة الموجودة نتيجة ذلك التأثير هي المسبب وإن اقترنتا زماناً ، بل إن المفهوم العقلي للسببية يستنبط من عنصر الضرورة حتمية التقارن بين المسبب وسببه أو بين المسبب والجزء الأخير من السبب حينما يكون السبب مركّباً من مجموعة أشياء ، لأنّ أيّ فاصل زمنيّ بين السبب بكامل وجوده والمسبب يتعارض مع ضرورة استتباع السبب للمسبب التي يؤمن بها المفهوم العقلي للسببية . وهذان المفهومان عن السببية يختلفان اختلافاً أساسياً لأنّ المفهوم الأول يفسّر السببية بوصفها علاقة ضرورة ولزوم قائمة بين مفهومين ؛ فهي علاقة واحدة تربط مفهوماً بمفهوم آخر في وجوده كالعلاقة بين الحركة والحرارة ، وهذه العلاقة بين المفهومين يقوم على أساسها ارتباط كلّ فرد من أحد المفهومين بفرد من المفهوم الآخر . وأما المفهوم التجريبي للسببية فهو لا يعترف بعلاقة السببية إلا بوصفها اطّراداً في التتابع أو الاقتران بين حادثتين دون أن يضيف إلى هذا التتابع أو الاقتران أيّ فكرة عن الإيجاد والضرورة واللزوم . ومن الواضح أن رفض فكرة الضرورة واللزوم نهائياً يؤدّي إلى أن وجود أيّ حادثة يعتبر صدفة مطلقة دائماً ، لأنّ الصدفة هي نفي اللزوم كما عرفنا سابقاً ، وإن أيّ حادثة توجد عقيب حادثة أخرى فوجودها